محمد بن جرير الطبري
69
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وروي عن ابن عباس في قراءة ذلك أيضا رواية أخرى ، وهي ما : حدثنا به المثني ، قال : ثنا المعلى بن أسد ، قال : ثنا خالد بن حنظلة ، عن شهر بن حوشب ، عن أن عباس أنه كان يقرأ : " قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أنذرتكم به " . والقراءة التي لا أستجيز أن تعدوها هي القراءة التي عليها قراء الأَمصار : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ بمعنى : ولا أعلمكم به ، ولا أشعركم به . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربك إلى الكذب : أي خلق أشر بعدنا وأوضع لقيله في غير موضعه ، ممن اختلف على الله كذبا وافترى عليه باطلا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني بحججه ورسله وآيات كتابه . يقول له جل ثناؤه : قل لهم ليس الذي أضفتموني إليه بأعجب من كذبكم على ربكم وافترائكم عليه وتكذيبكم بآياته . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ يقول : إنه لا ينجح الذين اجترموا الكفر في الدنيا القيامة إذا لقوا ربهم ، ولا ينالون الفلاح . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ . . . عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من دون الله الذي لا يضرهم شيئا ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة ، وذلك هو الآلهة والأَصنام التي كانوا يعبدونها . وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله . قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ يقول : أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأَرض ؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأَرض . وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله . فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم : أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأَرض يشفع لكم فيهما ، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته ، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون وأنها لا تشفع لأَحد ولا تنفع ولا تضر . سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول : تنزيها لله وعلوا عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع وافترائهم عليه الكذب . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا يقول تعالى ذكره : وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة ، فاختلفوا في دينهم ، فافترقت بهم السبل في ذلك . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يقول : ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم . لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول : لقضي بينهم بأن يهلك أهل الباطل منهم وينجي أهل الحق . وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في سورة البقرة الاختلاف في الدين ، وذلك في قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ وبينا الصواب من القول فيه بشواهده فأغنيى عن إعادته في هذا الموضع . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه . حدثني المثني ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ